المقريزي

87

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

في محرم سنة إحدى وستين إلى أن صرف الملك الأشرف شعبان بن حسين قاضي القضاة بهاء الدين أبا البقاء عن القضاء ، فبعث إليه واستدعاه من القدس إلى حضرته بالديار المصرية ، وكان قد سار إلى دمشق لزيارة أهله ، فأقام بها نحو خمسين يوما . وخلع عليه في يوم الاثنين سادس عشري ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة بنظر القدس والخليل ، وأن لا يقطع أمرا دونه . وسار من دمشق يوم الاثنين خامس عشر جمادى الأولى يريد القدس ، فاختلف هو والبريدي الذي قدم في طلبه ، فبات بالكسوة « 1 » وأصبح وقد طلب من دمشق ، فعاد إليها يوم الثلاثاء ، ورسم له بخيل البريد ، فسار إلى القدس ، وقضى أموره وخطب بها يوم الجمعة السادس والعشرين منه خطبة بليغة كثر فيها البكاء تأسفا على فراقه . ثم سار إلى مصر في عشرة سروج ، فنزل ظاهر القاهرة يوم الأحد خامس جمادى الآخرة ، وخرج أكابر البلد للقائه ، فدخل في أبّهة عظيمة ، وصعد القلعة فتلقاه الملك الأشرف وأجلسه معه ، وولّاه القضاء فامتنع من ذلك مرارا ، والسّلطان يلح عليه وهو يأبى ، حتى أقسم عليه ليقبلن ، فسكت وأطرق ، فأمر السلطان بإحضار الخلعة فأفيضت عليه ، واشترط شروطا كثيرة يعود نفعها على النّاس ، فالتزم السّلطان بها . ثم خرج ومعه أعيان الدّولة ، وركب الحجّاب معه ، وأوقدت له الشّموع من باب القلعة إلى المدرسة الصّالحية بين القصرين ، وأتاه النّاس للهناء ، وجاء إليه قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء فتلقاه تلقيا حسنا وبالغ في إكرامه . ولم يسمع في هذه الأعصار بولاية أكمل من ولايته ، ولا أبعد من تهمة الرّشوة منها . وذكر أنه قيل للسلطان : إن عليه دينا كثيرا فالتزم بقضائه . فغض منه بعض فقهاء البلد وشنّع عليه بأنه قليل العلم حسدا منه ، ومال معه جماعة من الطّلبة ، فبلغ ذلك البرهان عنهم ، فشمخ عليهم وترفّع ، وأوقع ببعضهم لأمر شافهه به ونكّل بآخر

--> ( 1 ) قرية بجنوب دمشق .